فخر الدين الرازي
300
المطالب العالية من العلم الإلهي
ذلك نص في أن هذه الأشياء منهم . ه - قالُوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ، وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ، وَنُقَدِّسُ لَكَ « 1 » فأضافوا الفساد وسفك الدماء إلى الشر ، وأضافوا التسبيح والتقديس إلى أنفسهم . وبالجملة : فأمثال هذه الإضافات والإسناد في القرآن مما لا حد لها ولا حصر . وطريق الاستدلال بالكل : أن نقول : خروج هذه الأفعال من العدم إلى الوجود . إما أن يكون بقدرة اللّه تعالى ، أو بقدرة العبد . فإن كان بقدرة اللّه لم يكن للعبد قدرة ، لا على وجودها ، ولا على عدمها . لأن اللّه تعالى إذا خلقها فهي حاصلة . سواء أراد العبد ذلك ، أو لم يرده . وإذا لم يخلقها ، لم يقدر العبد على تحصيلها . فثبت : أن حصول الفعل ، لو كان بقدرة اللّه لم يبق للعبد إليه اختيار ومكنة ، وعند هذا لا يكون الفعل فعلا للعبد ، وحينئذ تصير هذه الآيات الدالة على كونه فاعلا ، كلها أكاذيب وأباطيل وأضاليل . ولما كان ذلك باطلا ، علمنا أن العبد موجد لأفعال نفسه . ولا يقال : العبد وإن لم يكن موجدا لأفعال نفسه ، لكنه مكتسب لها . لأنا نقول : هذا اللفظ غير ملخص المعنى . إلا أنا ذكرنا في الدليل : أن المؤثر في إخراج « 2 » هذه الأفعال من العدم إلى الوجود . إما أن يكون هو العبد ، أو لا يكون . فإن كان هو العبد فقد حصل المطلوب . وإن لم يكن هو العبد ، لم يكن العبد على هذا التقدير متمكنا لا من الفعل ، ولا من الترك . وذلك يقتضي كون هذه الآيات أكاذيب . وإذا كان لا واسطة بين النفي وبين الإثبات - ونحن أبطلنا أحد القسمين - فحينئذ يبقى [ الثاني « 3 » ] لا محالة . فكان إلقاء لفظ « الكسب » في هذا الموضوع : محض التزوير . والجواب : لا شك أن القرآن مملوء من هذا النوع من الآيات . فإنكارها يكون إنكارا للقرآن ، وقد دلت الدلائل القاهرة على أن الكل بقضاء اللّه وقدره ، فلا بد من التوفيق بين البابين . فنقول : مجموع القدرة مع الداعي
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية : 30 . ( 2 ) خروج ( م ) . ( 3 ) زيادة .